بسم الله الرحمن الرحيم
بحث في كتاب موجز علوم القرآن
للدكتور داوودالعطار
منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات
بيروت – لبنان
اتقدم في هذه الباكورة لأتشرف ببركات حوزة الإمام الخميني الذاخرة بالعلم والإيمان واليقين لشخص تسميتها قدس سره  الشريف العامر بالقوة والمدد والبركات دافعا في المؤمنين العدة والإقدام والتمكين في مراقي العزة والشرف المبين 0راجيا ان تكون على عتبات القبول والرضامن هذا المقام الرفيع .
        الحمد لله رب العالمين .والصلاة على نبي الهدى والإنسانية ابي القاسم محمد بن عبد الله وآله العترة الطاهرة الائمة الإثني عشر المعصومين .وبعد :
عندما يباشر الإنسان قراءة كتاب يتعلق في علوم القرآن ينتابه شعور كبير في المسافة البعيدة بين عظمة القرآن كلام الله ومقام هذا الإنسان المتابع لهذا العلم وما أعظم هذه المسافة التي إن صح رسمها فهي صفر على سطر لا نهاية له . ولا يتحقق التدبر في الأولي في علوم القرآن إلا مع السلوك العملي المتلازم مع الثقلين كتاب الله وعترة رسول الله دون الهوى والجهل .
من هذا المنطلق سأقف بعجالة رغم قصوري وفهاهتي مع كتاب علوم القرآن المشار إليه في الأعلى فأجد أن القرآن من حيث الفهم اللغوي لا يستقى من مصطلح العلم بل العلم هو المستقى من مصطلح القرآن لأن مطالب العلم تتحصل من الجميع بينما الذكر القرآني لا يسأل عنه إلا أهل الذكر (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) فهم القادرون على هذه السوية ويأحذ الجميع عنهم القرآن . وبالتالي فذاتية علوم القرآن تضيق لمحمول القرآن الذي تؤسس عليه العلوم ويجب أن يكون تعريف الإمام الخوئي /رض/ هو الأقرب لهذا المنهج حيث يقول:(وحي الله المنزل على النبي محمد \ص\ لفظا ومعنى وأسلوبا المكتوب في المصاحف المنقول عنه بالتواتر) هذا التعريف الجامع المانع بكل مقتنياته هو الأوسع والأجدى لتفهم مايمكن تفهمه من هذا الكتاب المبين .
فعلم التفسير والأحكام والإعجاز والنزول السببي والمكاني والمحكم والمتشابه والبياني ليست إلا آليات الولوج في سبحات كلام الله عز وجل الذي يقول عنه الإمام \ع\ (لا خلف له ولا تبديل ) والذي أحكمه الله عز  وجل خالق القرآن بقوله (ما فرطنا في الكتاب من شيئ) ان كان هذا الشيء تكوينياً أم تمكينياً وبعد فإن العقبات التي سمحت بالخروج عن القرآن مردها لمعارضة الفهم العملي التقواتي المبرمج بشعور أوبلا شعور بقصد أو بلا قصد والذي نبه عنه الصطفى \ص\ في وصيته عند الوداع للمسلمين مشيراً إلى وصيه العامل الأكفأ لحمل رسالة القرآن من بعده عندما انتهى التنزيل وابتدأ العمل به قائلاً (ستقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله) وأرى ممانعة تدوين القرآن أحد العوامل التي استهدف فيها القرآن وبالتالي المؤتمن عليه وهذه المسألة بدأت تتفاقم إلى أن أصبحت إشكالية المنهج الإيماني التقواتي عبر مراحل التصدي والمتابعة لما نستطيع أن نسميه مجازاً علوم القرآن عبر القرون التي سلفت . ولا بد من الإشارة على أن هذا الزمن الغابر مليء بالأنوار المشعة الصافية ممن وقفوا مع هذا الكتاب العظيم من المطهرين من الصحابة والتابعين واستقوا من معين الإمام علي \ع \ومن هذا المقام الشريف كعبد الله بن مسعود الذي روى عن علي\ع\ وقد سأله بعد خلوته مع رسول الله (علمني\اي الرسول\ ألف باب من العلم فتح لي من كل باب ألف باب ) وهذا ما يؤكد أن الأساس هو القرآن . أما أسماء القرآن وإعجازه يتوازى بالفهم مع أسماء الله الحسنى فالقرآن هواللفظ الأم كما ان الله هو لفظ الجلالة للتشبيه لا للحقيقة والعياذ بالله فليس له ند وليس له شريك وهو الذي يقول سبحانه (إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) ومعجزة القرآن عملية أكثر مما هي نظرية خرقت القوانين السلوكية والعقلية والطبيعية وحاجة المصطفى\ص\ لها حاجة رسول لرسالة وحاجة رسالة لمرسل إليهم ومن هنا عجزت كل القوى مجتمعة انسية وجنية أن تأتي بشيئ من القرآن لا تزل عنه القلوب وهذا مايحقق التحدي في موضوعه وجهته .
ولو تابعنا وجوه اعجاز القرآن التي وردت في الكتاب من بلاغة وفصاحة ومعارف وصفات واستقامة وتشريعات وقصص وأحكام وغيبيات تتمحور جميعها حول الأسلوب الألهي المنشور في القرآن للوصول إلى المنهج الإعجازي الحقيقي الذي غاب بتفصيله عن البحث ألا وهو الأعجاز التربوي الأخلاقي الذي هو أرضية الرسالة الإسلامية التي جاءت الشهادة الأولى للمصطفى \ص\ من الله( وإنك لعلى خلق عظيم ) فتكلم الكثيرون بتفصيل اعجاز الصفات السابقة لكنهم ضنوا على هذا الإعجاز التربوي الذي تتأطر فيه قيم الهداية والإيمان والتقوى ويصح القول هنا أن الإيمان إسلام نظري والتقوى إسلام عملي ولهذا دائماً وأبداً تجد الإيمان والتقوى متلازمين في آيات القرآن .
ولهذا أقف بالإجلال للمؤلف الذي شغل كتابه /موجز علوم القرآن / حيزاً لا بأس به لأثر القرآن في تحرير العقول في مطالب متعددة انطلق فيها من الواقعية الوضعية الجغرافية وإن اعتمد في ذلك على النقل كثيراً لكنه على علم بشوائب المصادر المنقول عنها جازاه الله خيراً عنا لكل مااستطاع ابرازه من دور القرآن في ممارسة الحياة , ولما كانت الشواهد الإستشراقية شهادات يرتفع بها أصحابها بما فهموه عن الإسلام والقرآن فالإكثار من  شواهد هؤلاء تعطي الإستشعار بالحاجة منهم لذلك ولا تخدم الإعجاز التربوي القائم على اليقين والقدسية والإعتقاد فينا وخصوصاً إذا امتاز ذلك بالولاء .
وما أشار إليه المؤلف في المطلب الرابع عن أسس القرآن في التحرير معتمداً العقل الإنساني وبشرية الرسول محمد \ص\ والأسلوب البرهاني ففي هذه المعطيات الثلاثة تواجهنا اشكالية خطرة جداً إذا ما اختذلت هذه الأسس فقط في العوامل الثلاثة الأنفة الذكر. فتحرير القرآن للعقل لا يكفي فقط أن نتفهم مخاطر الخرافات والأوهام التي نقضها القرآن ووضع الحلول المثلى لها بل يزيد على ذلك  التطبيق العملي المتمرد ذاتياً على هذا الفهم وبذلك يصبح الأساس العقلي محاكاة النفس والجسد معاً لذلك قال علي \ع\ (لا تعلموا الناس بألسنتكم ) أما ما يخص بشرية النبي محمد \ص\ فهذا عنوان واسع وعريض أهم ما فيه أن هذا النبي البشري \ص\ المميز ببشريته يعطي مفهوم امكانية الإقتداء والتأسي به من قبل البشر ومن هنا جاء التكليف لهم ومن أراده غير بشري بأي توصيف كان وضع حاجز العجز بينه وبين العالمين ليشطب التأسي والإقتداء به و كذلك الأمر في علي بن أبي طالب \ع\ وصيه وهما اللذان امتازا بالنهايتين الصغرى والكبرى في مجال الممارسات الحياتية في الوجود فأقسى أنواع العذابات والظلامات وأقصى الإمكانيات والقدرات لم تحد بهما عن الصراط المستقيم الذي هو غاية ووسيلة الإعجاز التربوي القرآني لذلك جاء الأسلوب البرهاني كاملاً تاما من لدن العزيز الحكيم على المستويين النظري والتطبيقي ومن الشواهد القرآنية لذلك متابعة جميع مراحل الحياة عند الإنسان في أية واحدة من القرآن الكريم قوله تعالى(ووصينا الإنسان بوالديه احسانا حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال ربي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين)فلو تدبرنا الأفكار السابقة في هذه الآية الواحدة لوجدنا التالي لا للإحاطة إنما للإشارة.
أولاً : (ووصينا الإنسان بوالديه) المنهج بالضرورة وعليه تقوم الوصية بكل أبعادها
ثانياً: (حملته أمه كرهاً) القدرة على حب الفداء والتضحية .
ثالثاً: (ووضعته كرهاً) امكانية العطاء بحب بكل أبعاده .
رابعاً: (وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) الشعور بالمسؤولية وبعظمة التكوين الزماني المقدر من الله لقيمة التواصل .
خامساً: (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة) هذه محورية التكامل والجهد الأعلى وأسرار النبوة في بشرية الرسالة الإسلامية .
سادساً : (قال ربي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي) وهنا الإتجاه إلى الله وحده صاحب الحول والطول والبراءة من حول وطول الذات الإنسانية ومبدأ انطلاق من الخصوصيات السابقة للإتكال على الله عز وجل .
سابعاً: (وعلى والدي) تنبيهاً للعودة والإعتراف بالوجود الشخصي وتمهيداً لتحمل مسؤولية الإستمرار بالفعل الذي يبينه باقي الآية .
ثامناً : (وأن أعمل صالحاً ترضاه) قيمة المستوى التطبيقي في هذا الفهم الذي يتمفصل مع العقل والنفس والجسد .
تاسعاً: (وأصلح لي في ذريتي) التقديم للمرحلة الغيرية التي مبتغاها المتابعة على النحو الأول بشهادة تتمة الآية
عاشراً: (إني تبت إليك وإني من المسلمين) وهذه أداة العمل ونتيجة الشهادة . وفوق كل ذي علم عليم .
أما فيما تطرق إليه المؤلف من مباحث تنزيل القرآن الكريم فإن هذه المسألة عظيمة في تبويبها وبيانها وسهولة ممانعة فهمها لدى المتتبع التمهيدي وقبل أن تستوقفني أضع في هذا البحث خلاصة جهد عملت به قرابة خمس سنوات في خطب الجمعات في المسجد الذي أتشرف بخدمته في قريتي حيث خطبت في كل جمعة بسورة أوبجزء من سورة من القرآن الكريم حسب ترتيب النزول الوارد في تفسير مجمع البيان للطبرسي \رض\ من الفاتحة منتهياً بسورة النصر خاتماً بالآية المباركة (اليوم أكملت لكم دينكم......) فوجدت طيلة هذه المدة أن الدعوة الرسالية القرآنية تتخلص من شوائب النفاق والإلحاد عند المتابع المخلص وتشكل نقطة انطلاق قوية بغية الإنتشار عظيمة المبتنى جليلة المقام هذا من حيث النتيجة الشاملة العامة ناهيك عن مسألة الفهم والترابط الدعوي .
ولكن لابد من التنبيه دائما حول مسألة هامة أشار إليها المؤلف جازاه الله خيراً في حالتين :
1-   تعدد الأسباب والنازل واحد
2-   تعددالنازل والسبب واحد .
وهذا يدعم خصوصية القرآن الكريم في استمرار أسباب النزول وتطبيق النازل على هذه الأسباب في كل حالة عل مدى الزمان والمكان آخذين بعين الإعتبار قدرة المشرع على ذلك وهنا تستلزم حتمية المجتهد الحي وضرورة شروط الإجتهاد بل والزيادة في تشديدها لتقابل مفهوم النبوة والإمامة مجردة من العصمة لهما لتواكب النمو والتطور العالميين في سائر مجالات الحياة ويبقى الباب مفتوحاً على مصراعيه بين المقلد والمجتهد ومن هنا يأخذ الفقيه دوره الريادي المنظم الموحد الإتجاه رغم التعددية المرجعية في ولاية واحدة .
فنزول القرآن الكريم خلال ثلاثة وعشرين عاما على النبي المبعوث في المعراج والمختوم عما سبق من نبوة القيم والأخلاق في الإسراء  محمد بن عبد الله \ص\ الذي كان نبياً يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حياً ففي لقائه مع ربه لمرة أو لمرات ينال فيها شهادات البراءة العملاتيه ويعود للعالمين مع كل فعل يجسد فيه وصية رب العالمين التي أوصى بها علياً أمير المؤمنين \ع\ .
وخلاصة ما جاء به المؤلف من الحكمة في تدرج نزول القرآن معرفة واختبار واعطاء صورة الإستمرارية في تلقي هذه الرسالة عبر هذه السنوات الطويلة دون ملل أوكلل أو زيغ أو انحراف أو وهن أو ضعف لتتضح صورة العصمة النبوية بشكل جلي دون ارتياب وهذا ما يجعل المسلمون يتهيأون ويعملون ضمن هذه الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود مقتنعين بامكانية ذلك ولو بالحدود الدنيا الحافظة لمقام الإيمان والتقوى فيهم أما اشكالية التدرج التشريعي أو ما يبدو للمستبسط من تناقض الأحكام أو تضييق الرسالة فهذا يحتاج إلى وقفة صادقة متأملة يكون سبب النزول فيها عرضاً لاجوهراً اما مصداقية النزول فهي محل الحكم في الشخص والزمان والمكان فيغدو هذا التنوع مجموعة حلول لمسألة ما في مجتمع ما في زمن ما ضمن عوامل قائمة هي الأنسب في البناء الإنساني لذلك قال علي \ع\ (والله لم تنزل آية إلا وأنا أعلم فيما نزلت وأين نزلت وفيمن نزلت) وفي كل ذلك ينبغي توحيد الإتجاه كما قال الحق عز وجل( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ) ومن هنا الحكمة في القبلة لذلك قال الله عز وجل (فول وجهك شطر المسجد الحرام) .
وبالإشارة إلى تداخلات المكي والمدني في النزول وتطابق بعض المؤشرات يندرج ذلك في البيان السابق وفق مقتضاه .
وفي نهاية هذا البحث لابد من ذكر معالم جمع القرآن وتعدد المصاحف وبيانات السور والآيات وشكل القرآن وإعجامه التي أوضحها المؤلف جازاه الله خيراً هي من باب الشكليات التوقيفية التي تعود لذي بدء في تعريف الإمام الخوئي للقرآن الكريم وإن اختلف فيها بين الفريقين فكلها تجمع على المصحف العثماني الموجود اليوم بين الدفتين لم تطرأ عليه الأخلاف والتبديلات والنقص والزيادات والتحوير والتغييرات لأن الله عز وجل تكفل في حفظه وهذا هو الإعجاز الجامع للمرسل وللرسول وللرسالة وللمسلمين والحمد لله رب العالمين  والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين
حرر بتاريخ  1 ربيع الأول/ 1426 هـ / الموافق 9 نيسان /2005/ م . حماه – قرية التويم –
الحاج الشيخ سلمان آل سليمان
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
---------------------------------------------------------------------------------------------



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة